مهارات البحث


فك رموز سوريا


    كيف تقوم بـ:

  • منهَجة أساليب جمع المعلومات وتحسين أسلوب طرحك للأسئلة خلال المقابلة
  • العمل على قضايا الهوية خلال انتاجك للبحث

مع تفاقم النزاع في سوريا بعد عام 2011، تحول خضر خضور إلى إعداد التقارير والأبحاث. وسرعان ما برزت أعماله شديدة الدقة باعتبارها تقدم بعض أكثر الرؤى قيمة وثباتاً، وتلفت النظر في سيل التعليقات المتدفق. وكباحث في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، يركز خضور في أبحاثه وتقاريره على العلاقات المدنية العسكرية والحدود الاجتماعية.

خضر، ما هي المراحل المختلفة لعملية البحث الذي تجريه؟

أولاً، عادةً ما أبدأ مشروعاً بحثياً بشكل مستقل وبمعزل عن أي صيغة معينة للنشر، سواء كانت إحاطة لمركز أبحاث أو ورقة عمل أكاديمية أو مقالة. وأدع سؤال البحث يتشكل ويطور فرضيتي وحججي، قبل أن تتدخل ضوابط صيغة معينة لتحد من أفكاري وتقيّدها؛ فلا ينبغي أن تكون الصيغة غاية، وإنما وسيلة.

وفي سياق جمع البيانات، يظهر سؤال البحث. وتستغرق هذه العملية، في حالتي، أربعة أشهر تقريباً، أتحقق خلالها من جوانب موضوع البحث المختلفة، حيث أضع استبياناً منظماً حول "وحدة التحليل" من أجل وضع مخطط لمجال الدراسة ورسم مسار لعدد من المعالم والنقاط الرئيسية. على سبيل المثال، يمكن لوحدة التحليل أن تحلل مؤسسة سياسية، وفي هذه الحالة سأجري بحثاً عن جميع الأعضاء، من الرتب العليا إلى الدنيا؛ وعن البيئة الاجتماعية للأعضاء (الروابط العائلية، والظروف المعيشية، والعادات، وغيرها)؛ فضلاً عن أي مجموعات بيانات تصف المؤسسة نفسها، مثل واقعها الجغرافي وتركيبها التنظيمي، أو مجالات تداخلها مع مؤسسات أخرى. وبعد ذلك، ولصياغة سؤال البحث نفسه، أحلل تقاطع هذه المتغيرات..

وفي حال كان التركيز المبدئي جغرافياً وليس مؤسساتياً، كحي أو مدينة على سبيل المثال، تسير العملية بشكل مماثل وإنما بالاعتماد على متغيرات مختلفة إلى حد ما. وفي هذا الصدد، أعمل على ناحيتين: أولهما، استكشاف النسيج الاجتماعي والسياسي للسكان، المؤسسات المحلية، والنخب المحلية، وقنوات التمثيل السياسي، وغيرها. وأما الناحية الأخرى، فتتمثل بدراسة السياق الذي تحدث فيه هذه الحياة الاجتماعية والسياسية، مثل: المواقع، والتراث التاريخي، وتعداد السكان، والأنشطة الاقتصادية، وغير ذلك. وتُنقل جميع المعلومات التي أجمعها إلى جدول بيانات إكسل، الذي يوزعها في الفئات ذات الصلة مع جمعها معاً في مكان واحد. وأما فيما يخص جمع البيانات، فإنني أعمل على جمعها خلال عملي الميداني، حيثما كان ذلك ممكناً، أو أستعين بشبكة من الأشخاص الموثوقين للقيام بذلك.

لا ينبغي أن تكون الصيغة غاية، وإنما وسيلة

تؤدي مرحلة التخطيط ورسم المسار إلى سؤال البحث، والذي عادةً ما يخرج إلى النور بطرق لا يمكن التنبؤ بها ويصعب تنظيمها. العملية فوضوية بالمجمل، ولكنها نابضة بالحياة، وتنطوي على تنقلٍ مستمرٍ بين مجموعة من المحادثات مع الزملاء والأشخاص الذين يعيشون في الميدان، ومصادر الإلهام الأخرى، فضلاً عن قراءة الأدبيات ذات الصلة؛ المحادثات والقراءات هذه تمكنني من اختبار صحة الفرضيات أثناء صياغتها. إجمالاً، أجري حواراً بين هذه الأصوات المختلفة، بحيث تفضي نتيجته النهائية إلى إطار مفاهيمي متين يحتوي على العديد من الفرضيات التي تدعمها البيانات التجريبية.

إلى أي درجة تؤثر الثقافة السياسية في المنطقة على عملك الميداني فيما يتعلق بجمع المعلومات والبحث؟ 

غالبًا ما يتم تفسير البحث على أنه انتهاك للخصوصية

في العالم العربي، يُنظر إلى عملية الحصول على المعلومات، وعلى نطاق واسع، باعتبارها خرقاً للأمن أكثر منها توليداً للمعرفة. كما يضفي الناس بشكل عام على المعلومات قيمة أمنية بدلاً من القيمة المعرفية، فضلاً عن الخلط بين عمليتي "إجراء البحوث والدراسات" و"البحث والتفتيش" والاستعاضة عنهما بكلمة واحدة وهي "البحث"، والتي تعني حرفياً البحث عن شيء مخفي. وغالباً ما يُفسر البحث على أنه انتهاك للخصوصية، ما يضع الباحث أمام جدار لا يمكنه تخطيه إلا عبر عملية دقيقة لبناء الثقة؛ وهو الأمر الجوهري الذي لا يمكن تعلمه في المدارس، إذ يعتمد على شخصيتنا وحساسيتنا الفردية، ولا يتطور إلا مع الخبرة..

هل تلعب حقيقة أنك من المنطقة المعنية دوراً إيجابياً أم سلبياً في بحثك؟

لا تضفي جنسيتي السورية، بحد ذاتها، أي شرعية على بحث أجريه حول سوريا على وجه التحديد، أو العالم العربي بشكل عام. لا يمكن لجميع السوريين أن يكونوا باحثين، كما لا ينبغي أن يكون جميع من يجرون أبحاثاً حول سوريا سوريين. ببساطة، يختلف سير العملية التي يُجريها باحث محلي في مجتمعه عن تلك التي يجريها باحث أجنبي. وللحفاظ على قدر معقول من الموضوعية في عملي، أبذل جهداً للوصول إلى أشخاص خارج دائرتي الاجتماعية المباشرة (الأقارب، والأصدقاء من المنطقة ذاتها، وغيرهم)، وأحرص على النظر في الظواهر المألوفة من منظور جديد..

ومن عجيب المفارقات هنا، أن التحدي الأكبر الذي تواجهه أثناء سعيك للخروج من فقاعتك يتمثل بالآخرين أنفسهم. يتوقع منك السوريون والمراقبون الخارجيون أن تتحدث وتكتب من منظور ضيق، كما لو أنك ملزم بتمثيل دائرة معينة، ولست قادراً، أو حتى مؤهلاً، سوى لمناقشة الأمور المتعلقة بموطنك. وفي هذا السياق، يغدو التحدي مضاعفاً: فمن ناحية، يتوجب عليك اتخاذ قرار بتجاوز حدودك الاجتماعية؛ كما يتوجب عليك، من ناحية أخرى، التغلب على الأشكال الخارجية للوصم، والتي تدفعك باستمرار إلى الوراء للبقاء ضمن تلك الحدود نفسها.

17 أيار/ مايو 2017


تم استخدام الصور بموجب رخصة المشاع الابداعي من: Enigma plugboard by Bob Lord on Wikipedia / public domain.

الأحداث السورية الأكثر مُتابعة

ويكي سوريا


دمشق ليست المسكن


مواجهة مصر

مهارات التواصل