موالو الأحزاب
في لبنان

الوجه الآخر 
للتغيير

مرتضى الأمين

إنّ الاهتمام الذي حظيت به الانتفاضات العربية في السنوات الأخيرة تجاهل مكونًا اساسيًا: المواطنون الذين يتشبثون بجوانب محدّدة من النظام بينما يمقتون النظام السياسي ككل، ولبنان ليس استثناءً، فقد لعب أنصار أحزابه العديدة دوراً رئيساً في الاحتجاجات الحاشدة التي انطلقت في 17 تشرين الأول / أكتوبر 2019 وكذلك في قدرة النخبة الحاكمة على النجاة منها وإن بدا أن الأمور تخرج عن السيطرة.

خلال السنة الماضية، أدى تخلّف الحكومة عن سداد ديونها السيادية إلى تسريع الانهيار الاقتصادي الآخذ في التفاقم، ما أدى إلى حرمان معظم الناس من مدخراتهم وأسباب راحتهم وحتى آمالهم، كما أدت استجابة الدولة غير المتسقة لوباء كورونا إلى تفاقم مشاكل البلاد وكشفت تصدع الدولة. تُوّجت هذه الكوارث بانفجار هائل ضرب ميناء بيروت ودمّر جزءاً كبيراً من العاصمة بيروت. بالنسبة للكثير من اللبنانيين، مثّلت هذه الكارثة، التي أتت كنتيجة للإهمال الجماعي للطبقة السياسة، دليلاً دامغاً على أن النظام الحالي لا يمكن إنقاذه، لكن بالنسبة للكثير من اللبنانيين الآخرين، لم يفعل هذا الانفجار سوى تعزيز ولائهم السياسي.

لكن سيكون من الخطأ الافتراض أن الآراء التي يعبر عنها الموالون ظلت متصلبة طيلة كل هذا الاضطراب، فآراؤهم وسردياتهم تطورت باستمرار طيلة السنة الماضية، وإن كان ذلك بطرق تخدم في تبرير الوضع الراهن أكثر من الإتيان برؤية للتغيير. غالباً ما يعبّر مؤيدو احزاب البلاد المتعددة عن ترددات وتناقضات فيما يتعلق بمستقبل لبنان السياسي، لكنهم سرعان ما يُبدّدون هذه الشكوك من خلال آليات متشابهة للغاية بين جميع الأحزاب. إن فهم ما يمنح هذه السرديات قوّتها ضروري جداً للتفكير في كيفية عمل النظام وإمكانيات تغييره يوماً ما.

التجمهر

ربما كان الجانب الأكثر لفتاً للانتباه في الانتفاضة اللبنانية هو مدى شمولها لكافة أطياف مجتمع شديد الاستقطاب والانقسام، ففي بادئ الأمر لم تتجاوز الاحتجاجات حدود الطائفة والطبقة والجيل والجغرافيا فحسب، بل والانقسام بين اللبنانيين الذين ينبذون الطبقة السياسية في مجملها وأولئك الذين لديهم ولاء شديد تجاه زعمائهم.

حتى أشد أنصار الأحزاب اللبنانية المتنوعة قد يتحدون وراء الشعارات التي شجبت سوء الحكم والصعوبات الاقتصادية الآخذة في التعاظم. قالت طالبة من عائلة تدعم التيار الوطني الحر: "كان جميع أقاربي يفيضون نشاطاً وتفاؤلاً في الأيام القليلة الأولى من الانتفاضة. لقد انضموا إلى بعض الاحتجاجات وشاركوا حماسهم عبر الواتس أب." وبالمثل يستذكر أحد مؤيدي حزب الله الاحتجاجات قائلاً: "كنتُ متفائلاً للغاية، واعتقدتُ أنه قد يكون لدينا أخيراً بلد لائق نعيش فيه."

تعزز شعور بالإجماع بين الموالين والمتظاهرين الآخرين من خلال الصورة الوطنية الشاملة التي رسموها معاً، فقد تجمّع أناس من طوائف مختلفة في الساحات العامة، وأعادوا إحياء كليشيهات قديمة عن التعايش المجتمعي، ورفرف العلم اللبناني في كل مكان، وبدا أن إجماعاً قد راح بتشكل حول نبذ علامات الانقسام المحتملة، مثل رايات الأحزاب وشعاراتها وهتافاتها. في الواقع، في الأيام الأولى للانتفاضة، رحّب كثيرون بالحركة باعتبارها تمثل رفضاً قاطعاً يشمل البلاد كلها للنظام الطائفي الذي حكم البلاد لعقود من الزمن. قالت طالبة مؤيدة لحزب الله: "في البداية كانت الاحتجاجات مستقلة، ولم يعبر الناس فيها عن آرائهم السياسية التقليدية، ولهذا ايدتها بشدة."

شارك الموالون، الذين يتقاسمون ذات الآلام والآمال مع أي لبناني آخر، في الانتفاضة بأعداد غفيرة، غير أنهم عبّروا عن خشيتهم من "تسييسها" منذ اللحظة الأولى تقريباً، وحذروا من خطف الخصوم للانتفاضة أو استمالتها نحوهم، وعارضوا أي مطلب من شأنه أن يستهدف حزبهم استهدافاً مباشراً وصريحاً، وبذا ثبُت أن وحدة الهدف هذه مشروطة بأجندة سياسية مجردة، فقد ظلت مطالب الانتفاضة عامة، ولم تحدد مطلباً ما بعينه عدا عن "إسقاط النظام" أو "استعادة الأموال المنهوبة" التي سرقتها النخبة الفاسدة. لقد أصبح نبذ النظام ككل عبارة مجازية راسخة يستخدمها اللبنانيون - وحتى السياسيون اللبنانيون - للتنفيس عن الإحباطات الكثيرة، كما أن ارتباك الأحزاب في بادئ الأمر ولّد شعوراً بالوحدة بالنظر إلى التزام قادة الأحزاب الصمت.

التراجع

لكن ما هي إلا بضعة أيام حتى تداعت هذه الوحدة بين اللبنانيين بعد أن لاقت حفاوة كبيرة، إذ راحت الخلافات المتجذرة تطفو على السطح. كان الجميع مؤمناً بضرورة التغيير، لكنهم اختلفوا حول كيفية إحداثه، وتبين أن فكرة ماهية الثورة نفسها، أو حتى شكلها، مثيرة للانقسام منذ البداية.

امتدت اولى نقاط الخلاف على طول الانقسامات الطبقية واشكال الإلتزام الديني، فبالرغم من أن الاحتجاجات كانت شاملة من بعض النواحي، إلا أن جوها الكرنفالي سرعان ما أدى إلى تنفير شرائح المجتمع المحافظة. في ساحة الشهداء في بيروت، استمع المتظاهرون إلى الموسيقى التقليدية وراح بعضهم يرقص على أنغام الموسيقى الأجنبية، كما أقام بعض المتظاهرين ندوات وحفلات صاخبة في سينما مهجورة تُعرف باسم "مبنى البيضة"، في حين مارس آخرون اليوغا على جسر "الرينغ" الذي يتوسط بيروت وشكل نقطة نزاع، ما أزعج البعض ممن اعتبروا ذلك تعبيراً عن الانتماء للطبقة العليا من المجتمع، كما استاء المشاركون المتدينون وبعض المتظاهرين من الطبقة العليا والنخبوية من قيام مجموعات من المتظاهرين بتدخين الحشيش أو شرب الكحول علانية. قال أحد مؤيدي حزب الله وحركة أمل: "في تلك المرحلة لم تعد هذه ثورة. كان الناس يشربون ويرقصون، وحتى أنهم أحضروا راقصة شرقية!"

غذّت هذه الأعراف الاجتماعية المتنوعة الاختلافات العميقة حول معنى الاحتجاجات. لم يكن النزول إلى الشارع أمراً جديداً بالنسبة للموالين، إذا طالما فعلوا ذلك لتحقيق أهداف بعينها وبتوجيه من احزابهم وتحت راياتها. لقد اصطدمت ثقافتهم السياسية بحركة شعبية عفوية ومفتوحة وشاملة شجبها الموالون لكونها شديدة التنوع وغير مركزة. أشارت أستاذة جامعية مؤيدة للتيار الوطني الحر: "ضمّت الحركة الاحتجاجية مجموعات من اليسار الراديكالي إلى أقصى اليمين. كان من الممكن أن تنجح لو كانت أكثر تجانساً."

قبل كل شيء، عانى الموالون مما اعتبروه أجندة فوضوية للانتفاضة، أي أنها لم تقتصر على الدعوة إلى إزالة النظام السياسي الفاشل فحسب، بل كل من تولى دوراً قيادياً فيه. مثّل شعار الحركة الأشهر "كلّن يعني كلّن" احتمالاً مخيفاً للكثير من الموالين الذين ارتبط إحساسهم بالأمن والهوية المجتمعية بقادة الأحزاب التي يؤيدونها. نتيجة لذلك، أدت الهتافات التي تهاجم سياسيين بعينهم - من جبران باسيل ونبيه بري إلى سعد الحريري، ووليد جنبلاط إلى سمير جعجع - إلى ظهور نزعة دفاعية متعاظمة داخل صفوف الأحزاب. عندما هتف المتظاهرون "كلّن يعني كلّن، نصر الله واحد منن" على سبيل المثال، صاح البعض من داخل الحشد: "نصر الله أشرف منن."

على نحو متزايد، راح الموالون يتذمرون مما اعتبروه إجحافاً وغبناً سياسياً في سردية الانتفاضة، وشجبوا الهجمات الشخصية على قادة أحزابهم ورأوا فيها مؤشرات على اختطاف الانتفاضة من قبل أطراف ثالثة تسعى وراء أجندات خفية. وصفَتِ الفتاة المنتمية لعائلة  مؤيدة للتيار الوطني الحر كيف احتجّ أقاربها على محاولة حزب القوات اللبنانية - وهو حزب مسيحي منافستولي قيادة الاحتجاجات في جلّ الديب، على الرغم من انهم تغاضوا في البداية عن انتقاد المتظاهرين لرئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، كما رأى أنصار حركة أمل سيل الإهانات التي استهدفت نبيه بري على أنها محاولة لإفساد النقاء الأصلي للاحتجاجات، واعتدوا على المتظاهرين في صور واتهموهم بعدم احترام قياداتهم السياسية والدينية. كما وقعت حوادث مماثلة في طرابلس والمتن والنبطية والشوف رداً على إهانة الزعماء الآخرين.

خلق هذا الجو المثير للتخوّف فرصة للأحزاب السياسية لإعادة تثبيت نفسها، فبعد أن كسرت صمتها الأولي، قدّم كل من هذه الأحزاب تفسيراً للأحداث يمكن لأتباعها اعتناقه. اعترف أحد مناصري حزب القوات اللبنانية بأنه انضم إلى الانتفاضة بعد أن أيدها حزبه. على الطرف الآخر من الطيف السياسي، تستذكر طالبة دعمت الانتفاضة في البداية كيف غيّر خطابٌ ألقاه الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله موقفها بعد أسبوع من اندلاع الاحتجاجات، وفي ذلك تقول:

لقد أصبحتُ أعارض الثورة بشدة بعد ذلك الخطاب. لقد كان واضحاً لي، عندما كنتُ في ساحة الشهداء، أن هناك أموالاً يجري إنفاقها، ولم ندرِ من أين كانت تأتي. لقد كشف السيد حسن نصر الله عن وجود تدخل وتمويل أجنبيين، وقال إن هناك أحزاباً سياسية تستحوذ على الثورة، ولا أريد أن أشارك في ذلك.

بعد أن ساد الإجماع النسبي الأيامَ القليلة الأولى للحراك الشعبي، راحت أعداد متزايدة من الموالين تصطف وراء الروايات الرسمية لأحزابهم، لكنهم سعوا رغم ذلك إلى تحقيق توازن بين تأييد مطالب الحركة الاحتجاجية للتغيير ونبذ الوجود المفترض لعناصر مفسدة داخلها، وراح كل حزب يقدم فهمه الخاص عمّن يكون هؤلاء المفسدون بالضبط.

مع عودة الهويات السياسية والولاءات الحزبية إلى الواجهة، بدا أن المجتمع انقسم إلى ثلاث مجموعات. تمسك المواطنون المحايدون والعديد من النشطاء العلمانيين بدعوتهم الأصلية لاجتثاث النظام برمّته، في حين حاولت بعض الأحزاب تقديم نفسها على أنها "معارضة" للنظام رغم أنها من صُلبه، فكان أن استقال حزب القوات اللبنانية استجابةً للانتفاضة، وبعد فترة وجيزة استقال رئيس الوزراء سعد الحريري، رئيس تيار المستقبل، ومعه الحزب التقدمي الاشتراكي. تركت هذه الاستقالات تحالف الأغلبية في الحكومة، أي التيار الوطني الحر وحزب الله وحركة أمل، ليجسدوا ما تبقى من النظام أكثر مما كانوا يودّون، والأكثر غرابة من كل ذلك زعمُ الأحزاب جميعها تجسيد قيم الثورة.

أدى هذا الانقسام الثلاثي إلى إحياء خطوط الإنقسام التي رسمت ملامح السياسة اللبنانية منذ عام 2005، أي بين المعسكر الموالي للغرب (المعروف باسم تحالف 14 آذار) وتحالف 8 آذار المتمركز حول حزب الله، وبينهما اللبنانيون غير المنتسبين لأي من الأحزاب. عادت السياسات الحزبية القديمة لتتصدر المشهد مرة أخرى إثرَ انهيار الروابط الأولية التي أوجدتها الانتفاضة. هذه الائتلافات حاربت وعززت بعضها البعض في آن معاً، ودعمت النظام الذي طمح المتظاهرون إلى تغييره، ولكن كيف يمكن تحقيق التغيير المنشود من خلال المزيد من الشيء ذاته؟

حل التناقضات

يميل الموالون للإجابة على هذا السؤال بالقول إن الحزب الذي يؤيدونه يمثل أفضل فرصة لأي تحول وسط هذا الجمود السياسي المحير، ويعتبرون أن الانتفاضة تعكس المطالب التي لطالما نادت بها أحزابهم. دعت جميع الأحزاب الموجودة في السلطة إلى إلغاء الطائفية والانتقال إلى دولة مدنية، كما أجمعت على أن الفساد يشكل أحد أخطر الآفات في لبنان، ودعت إلى استقلال القضاء، وطالبت جميعها بضرورة إعادة "ثروات البلاد المنهوبة"، وهي عبارة تصف الفساد وهروب رأس المال والتهرب الضريبي الذي يغذي الانهيار المالي في البلاد. أصر أحد أعضاء قطاع الشباب التابع للتيار الوطني الحر على أن "التيار سيحاسب المسؤولين. نحن من نعمل على إصلاح القوانين والمؤسسات الحكومية." بالطبع، تتغاضى سرديات كهذه بشكل منهجي عن، أو على الأقل تقلل من أهمية، مدى تواطؤ كل طرف واتكاله على ذات المشكلات التي يزعمون سعيهم لمعالجتها.

في الوقت نفسه، يسارع الموالون إلى التذرع بأن عقبات لا تعدّ ولا تحصى تقف في طريق طموحات قادتهم للإصلاح. أولاً، يتهم الموالون الأحزاب المعارضة بعرقلة الإصلاح، وعلى هذا الأساس برّأ عضو شديد الولاء لحزب القوات اللبنانية حزبه من أية مسؤولية عن حالة الركود التي تعمّ البلد:

ألوم كل الأطراف الممثلة في الحكومة منذ العام 2016 باستثناء حزب القوات اللبنانية، فقد فعل ممثلونا كل ما في وسعهم، وأثرْنا مثلاً الكثير من قضايا الفساد في وسائل الإعلام ومن خلال نوابنا ووزرائنا، لكننا لم نلقَ آذاناً صاغية، ففضّلنا عدم الدفع بقوة أكبر خشية تعريض التوازن السياسي الهش أصلاً في البلاد للخطر.

ثانياً، لا يشتكي الموالون من السياسات القائمة على الخصومة فحسب، بل من سلوك حلفائهم أيضاً. انتقد أحد مؤيدي التيار الوطني الحر حركة أمل بمرارة لعرقلتها خطط حزبه لتطوير البنية التحتية الأساسية رغم كون الحركة شريكة في الائتلاف الحاكم، وفي ذلك يقول: "في السنوات الأخيرة، رفض وزير المالية [التابع لحركة أمل] التوقيع على العديد من المشاريع التي قدمها نوابنا." على الطرف الآخر من الطيف السياسي، يتبادل حزب القوات اللبنانية وتيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي الاتهامات بعدم إحراز تقدم في البلاد بدلاً من تشكيل جبهة متماسكة وبنّاءة.

ثالثاً، تتجاوز هذه السرديات الساحة السياسية لإلقاء اللائمة على المجتمع نفسه، فالأحزاب التي ما تزال في الحكومة تلوم الثورة على إخفاقاتها، ففي منطقها، عرقلتِ المطالبُ العريضةُ للانتفاضة والمظاهراتُ التخريبيةُ الإصلاحاتِ الواقعيةَ، وفاقمت الأزمةَ الاقتصاديةَ، وزرعتِ الفوضى عموماً. كما يرى بعض الموالين أن الشعارات المسيئة وإغلاق الطرق قد ساعد في ترسيخ الانقسامات الطائفية بل وأحيى شبح الحرب الأهلية.

يأخذ الكثير من الموالين هذه الفكرة أبعد من ذلك، ويصرون على أن مشكلة لبنان الحقيقية تنبع من العقلية القبلية المتخلفة التي تسود المجتمع اللبناني. يقول أحد أعضاء التيار الوطني الحر: "لا يمكننا تحقيق التغيير إلا بعد اجتثاث الطائفية من عقول الناس، لكننا إن قمنا بمراجعة القانون الانتخابي، على سبيل المثال، فإن المسيحيين سيخسرون بعضاً من مقاعدهم، وسيشعرون حتما بأنهم مهددون." يدفع كل حزب بنسخته الخاصة من ذات المنطق القائل بأن النظام القائم، رغم كل عيوبه، يوازن على الأقل بين حقوق جميع الطوائف. ووفقاً لهذه الرواية، لا يمكن لأي بديل عملي أن يرى النور طالما أن الناس عازمون على الحفاظ على هذا النظام.

في مواجهة هذه العقبات المستعصية، يصّر الموالون على أن السبيل الوحيد لإخراج لبنان من مأزقه يكمن في البحث عن المزيد من السلطة لمعسكرهم. يرى صحفي مقرب من تيار المستقبل أن السبيل الوحيد للمضي قدماً هو تعزيز النظام القائم رغم إقراره بالحاجة إلى تحقيق انتقال، حيث يقول: "أفضل ما يمكن أن يحدث للبنان هو أن يحكم كل حزب طائفته بالكامل." وبالمثل رسم أحد مؤيدي حزب الله ما يراه السيناريو المثالي بقوله: "هذا البلد يجب أن يحكمه شخص واحد أو حزب واحد، أياً كان هذا الشخص أو الحزب، لكني أفضّل حزب الله بالطبع."

لقد عززت الثورةُ الانتماءاتِ الحزبيةَ لدى الموالين بدلاً من استئصالها من طيف لبنان السياسي. قال عضو في قطاع الشباب في التيار الوطني الحر: "لقد ازداد دعمنا للتيار إبان الانتفاضة؛ ونحن الآن مقتنعون بمشروعنا السياسي أكثر من أي وقت مضى." تتردد أصداء هذا التصلب في المواقف عبر الخطوط الحزبية، إذ تقوي عزيمة كل حزب من عزيمة الأحزاب الأخرى. ومن المفارقات أن هذه الديناميات التي يعزز بعضها بعضاً تعيد خلق حالة الجمود التي أدت إلى الانتفاضة في المقام الأول. لا يخفى هذا العبث عن أتباع الأحزاب الذين يتعين عليهم اللجوء إلى سرديات أقوى للتغلب عليه.

التعقل والتوكل

في سعيهم إلى التوفيق بين رغبتهم الصادقة في التغيير والولاءات الحزبية المتجذرة، يلجأ الموالون إلى إعادة تفسير الأحداث بطرق تناسب سردياتهم، وغالباً ما تأخذ السرديات التي يطرحونها الارتباط بين الدين والحزب كأمر مسلّم به. رسمت إحدى  الطالبات خطاً مباشراً بين العقيدة والولاء للحزب بقولها: "بصفتي شيعيّة متديّنة، فإني أستمدّ آرائي السياسية من معتقداتي الدينية، وحزب الله يمثل هذه العلاقة أفضل تمثيل."

عادة ما يتضمن هذا الشكل من السياسات القائمة على الهوية لغة قضية أكبر حجماً، كمواجهة إسرائيل أو التمسك بالسيادة اللبنانية، بيد أن كل حزب سرعان ما يترجم مثل هذه الأجندات إلى تهديدات وجودية يجب على مجتمعه التغلب عليها، فعلى سبيل المثال يتمثل الخطر بالنسبة لمؤيدي حزب الله في القصف الإسرائيلي والعقوبات الأمريكية والتطرف السني، أما الموالون من السنة والمسيحيين والدروز فلديهم مخاوفهم الأمنية الخاصة ، كالخوف من اغتيال رموزهم، والاشتباكات المسلحة بين الموالين، ومحاولات التعدي على امتيازاتهم السياسية أو معاقل طوائفهم. بالنسبة للعديد من الموالين، فإن "القضية" الكبيرة تتراجع في النهاية، ليطغى عليها إيمان راسخ بدور حزب من الأحزاب في حماية مجتمعه.

إن الارتباط القوي بين الهوية الدينية والسياسة - وردود الفعل الدفاعية التي تدعمه - يمنح الأحزاب حيزاً كبيراً، فبدلاً من تحميل الأحزاب المسؤولية عن أوجه القصور فيها، يلقي الموالون بالمسؤولية نحو الجماعات المنافسة وداعميها الأجانب الذين تُعد خططهم أكثر مراوغة وخطورة من مجرد إعاقة الإصلاح. في تعليقه على الأزمة المستمرة في البلاد، وضّحت أستاذة جامعية مؤيدة للتيار الوطني الحر هذا الميل نحو تفضيل المخططات الميكيافيلية على تفسيرات أكثر منطقية للأحداث بقولها

يبدو الأمر كما لو أن لبنان كان دائماً على حافة جرف، يتأرجح جيئة وذهاباً، وقد دُفع اليوم من حافة هذا الجرف فهوى، وبدلاً من أن يمدّ لنا أحد يد العون، تراهم يتركوننا نهوي أكثر فأكثر. أعتقد أن هذا كله جزء من خطة لإجبار لبنان على قبول التوطين الدائم للاجئين، فهذه هي الطريقة الأفضل لتجعل شخصاً ما يقبل ما تريده منه، أي تؤذيه وتضعفه، ثم تعرض عليه صفقة.

تعني هذه السرديات أنه لا يمكن للموالين من عامة الشعب فعل الكثير في مواجهة مثل هذه المخاطر الكبيرة، فحجم التهديدات وتعقيدها وغموضها يجعلهم يعتمدون على قادتهم اعتماداً أعمى. قال أحد مؤيدي حزب الله: "لطالما اتخذت قيادة حزب الله قرارات حكيمة، ولذا أثق بهم عندما يقولون إن الوقت غير مناسب لأشياء معينة، سواء على الصعيد المحلي أو الإقليمي، وفي المجالات العسكرية أو السياسية."

تضع عظمة القضية القادة فوق النقد، وكذلك تبرر إخفاقاتهم. يمكن التقليل من أهمية الافتقار إلى النتائج الملموسة بإبراز إنجازات الحزب العظيمة، ويمكن عزو هذا الافتقار إلى أعداء أشداء يجب على الأحزاب مواجهتهم. قد يقر بعض الموالين بعيوب أحزابهم عندما يتعلق الأمر بالحوكمة الأساسية، بيد أنهم يرون أن نقاط الضعف تلك تافهة مقارنة بجرائم الآخرين. في حالات أخرى، يقلل الموالون من عيوب زعيم ما بالإشارة إلى إنجازاته الأكثر أهمية. اعترف أحد المؤيدين لحركة أمل أن "نبيه بري ربما يكون قد سرق، لكنه قدّم الخدمات والبنى التحتية لأهل الجنوب."

وبالتالي، استجاب الموالون لكل طور جديد من التدهور المتسارع في لبنان من خلال خفض سقف توقعاتهم بدلاً من طلب المزيد من ممثليهم، وباسم القضية، تراهم لا يكترثون بانهيار الدولة وآثاره الوخيمة على حياتهم اليومية. قال أحد مؤيدي حزب الله وحركة أمل عندما سُئل عن كيفية تعامله وشبكته الاجتماعية مع الانكماش الاقتصادي: "لدينا عدو واضح يعمل على تقويضنا. إن معركتنا الوحيدة هي مع إسرائيل. إنه تحدٍ، وعلينا التحلي بالصبر والقوة. هذه هي عقيدتنا، حتى لو شارفنا على الموت جوعاً."

بالنسبة لمن هم أكثر حظاً، قد تكون مغادرة البلد أفضل سبيل للبقاء مخلصاً لحزبٍ ما. قالت إحدى مؤيدات حزب الله من الطبقة العليا: "لم أعد أرى مستقبلاً لنفسي في لبنان، لذا سأنتقل مع عائلتي إلى الولايات المتحدة." لقد بقي ولاؤها السياسي راسخاً رغم أنها لم تعد قادرة على تحمل الانحدار المطرد في لبنان، وكأنها تقول: عندما يفشل كل شيء آخر، غيّروا البلد، لا آراءكم.

* * *

يتذمر غالبية الموالين من الوضع الراهن، غير أنهم يساهمون كثيراً في ترسخيه. هذه الآلية - التي تكاد تكون متطابقة بين جميع الأحزاب - هي بالضبط ما يجعل النظام اللبناني متماسكاً للغاية بالرغم من كل اختلالاته. لا يستمد النظام القائم قوته من أية قدرة على تقديم الخدمات، بل من السرديات المتشابكة التي يبرر بعضها بعضاً. غالباً ما يدرك الموالون هذه الحلقة المفرغة، وإن ظلوا رهينة لها. في حديثه بعد انفجار بيروت، عبّر مؤيد لحزب القوات اللبنانية عن توقعات قاتمة بقوله:

لقد فقدت الانتفاضة جلّ دعمها، إذ أن قلة ما زالوا يؤمنون بقدرتها على إحداث التغيير الضروري. لا يزال من الممكن أن يحدث التغيير من خلال الانتخابات. لكن حتى في ذلك الوقت، أعتقد أن كل شيء سيبقى على حاله، فالشيعة سيصوتون لحركة أمل وحزب الله، والدروز لجنبلاط، وهلّم جراً. ستظل كل طائفة تصوت لنفس الحزب، وحتى نحن سنصوت مرة أخرى للقوات اللبنانية، وذلك لأن الهويات الطائفية مرتبطة بهذه الأحزاب.

بالنسبة للأحزاب، هذا النظام هو الأكثر ملاءمة، فهو لا يُلزمها ببذل أي جهد تقريباً. إن السرديات القائمة على الهوية هي أرخص أشكال السياسة، فهي تعتمد على الرموز أكثر من اعتمادها على الاستثمارات أو الإنجازات العملية. إن هذا المنطق يصبح أكثر حيوية بالنظر إلى إفلاس لبنان الكلي والآخذ في التفاقم، ما سيزيد من استنزاف قدرة الأحزاب الضعيفة أصلاً على تقديم الدعم الاجتماعي.

كما يعني ذلك أن الأحزاب تضع مؤيديها على المحك إلى ما لا نهاية، وتطلب منهم أن يظلوا مخلصين دون قيد أو شرط في حين لا يتلقون الكثير في المقابل، وبتكاليف أكبر للجميع. تفترض الأحزاب أنه لا توجد نقطة انهيار، ولذا تشعر بأن بإمكانها الدفع بقوة أكبر نحو ذلك. قد يرفض الموالون في لبنان، في مرحلة ما، هذا الانحدار نحو الهاوية، لكن تمردهم أمرٌ غير وارد، وقد لا يكون ذلك ضرورياً على أية حال، إذ أن كل ما يحتاجه حدوثُ بعض التغيير المنشود هو أن يطلب هؤلاء من أحزابهم ما هو أكثر من مجرد السرديات الجوفاء التي تطيل عمر النظام السياسي القائم.

14 تشرين الأول/ أكتوبر 2020

مرتضى الأمين: زميل في سينابس

قام بالترجمة للعربية حسان حساني


شرح المنهجية وكلمة الشكر: جميع الرسوم البيانيّة مبنية على داتا مأخوذة من استطلاع اجري عبر الإنترنت بين شهر آذار وتموز 2020 من قبل مرتضى الأمين والدكاترة ريم صعب، ريما ماجد، وأرين أيانيان. تضمّن الإستطلاع حوالي 60 سؤال وهو جزء من اطروحة ماجيستر في علم النفس الإجتماعي وقد تكوّنت العيّنة من اكثر من 400 مشارك. كانت هذه العيّنة متنوعة ولكنها لم تكن عشوائية بما فيه الكفاية، إذ تم تداولها عبر الشبكة الإجتماعية الواسعة للباحثين ومن خلال نشرها على وسائل التواصل الإجتماعي. على هذا النحو، لا ينبغي النظر إلى هذه النتائج على انها ممثلة للمجتمع اللبناني بشكل كبير، بل كأساس لمزيد من التحقيق من خلال استطلاعات اكثر شموليّة وذات منهجية افضل.


الجيل اللبناني الصاعد


سرقة لبنان الكبرى


الشرنقة

حاضنة مستقبل لبنان


Sign up for the occasional Slow Read. We publish only what makes us proud

* indicates required