احكيلي

أزمة الصحة النفسية في سوريا

خلقت الحرب في سوريا أزمة صحةٍ نفسيةٍ عمّت شتى أنحاء البلاد، وأضعفت المؤسسات اللازمة للتعامل معها، غير أن البلد يمتلك المقومات الأساسية اللازمة لسد هذه الفجوة. وقد أصبح موضوع الصحة النفسية، الذي كان يُعدّ في السابق من المحرّمات الاجتماعية، أكثر قبولاً على المستوى المجتمعي من أي وقتٍ مضى، إذ اكتسبت مجموعةٌ كبيرةٌ من المنظمات غير الحكومية السورية خبراتٍ واسعةً وعمليةً في هذا المجال، كما أبدت الحكومة وشركاؤها الدوليون استعداداً لتخصيص مزيدٍ من الاهتمام والتمويل لهذا القطاع الذي ظل مهمَلاً لفترةٍ طويلةٍ. بيْد أن الحصيلة حتى الآن هي حالةٌ من الفوضى؛ إذ قلّما يجد السوريون الدعم النفسي الذي يحتاجون إليه، وتراهم تائهين وسط متاهةٍ عويصةٍ من الخدمات المشتتة ونصائح المساعدة الذاتية التي يقدّمها غير المتخصصين. ولكي يحقق هذا القطاع الوعود المعلقة عليه، يتعين على مهندسيه الانتقال من المبادرات المتناثرة إلى بناء مؤسساتٍ أكثر استدامةً وانتظاماً. وفي أثناء ذلك ترتجل المجتمعات السورية أساليب شتّى لمساندة نفسها ودعم بعضها بعضاً.

نظرةٌ عن كثب

"ما تحتاج إليه سوريا بشدةٍ هو الدعم النفسي"، قال صاحب مشروعٍ صغيرٍ فيما كنا نتمشى حول قلعة حلب. وقد جاءت تلك الملاحظة في غير سياقها؛ إذ وردت على نحوٍ مفاجئٍ في خضم حديثنا عن قطاع التصنيع السوري الذي أنهكته الحرب، لكنها عكست في الوقت نفسه واقعَ الحال في سوريا اليوم، فالمخاوف المتعلقة بالصحة النفسية تبرز في كل مكانٍ، وتتجاوز بكثيرٍ الآثارَ المباشرة للحرب. تتحدث الأمهات والمعلمون بصراحةٍ عن معاناتهم في التعامل مع أطفالٍ مصدومين نفسياً، وعدوانيين أحياناً، كما يقرّ الآباء العاطلون عن العمل بالعار الذي ينتابهم لعجزهم عن إعالة أسرهم، أو لعدم امتلاكهم ما يكفي من المال للحفاظ على علاقاتهم الاجتماعية. وفي ذلك قال رجلٌ عاطلٌ عن العمل في حمص: "لقد جعلتِ الضائقة المالية الصداقاتِ أمراً صعباً، فأنا أتمشى مع زوجتي وطفلي في الأماكن العامة، وأتجنب لقاء الأصدقاء لأنني لا أريد إنفاق المال في المقاهي والمطاعم."

تُعد كثرة تلك الاعترافات أمراً لافتاً في مجتمعٍ غالباً ما ينظر إلى الوصمة الاجتماعية بوصفها عائقاً أمام توسيع نطاق خدمات الرعاية النفسية. وبالطبع تتفاوت مستويات الانفتاح في الحديث عن هذه المسائل تفاوتاً كبيراً، وفق أنماطٍ نراها في مختلف أنحاء العالم: فالشباب المتعلمون أكثر إلماماً بمفردات الصحة النفسية من نظرائهم الأكبر سناً أو الأقل دخلاً. كما تجعل الأعراف الاجتماعية النساءَ أكثر قدرةً على التعبير عن مشاعرهن مقارنةً بالرجال، رغم أن بعض الأزواج في الأوساط المحافظة يمنعون زوجاتهم وبناتهم من التحدث إلى المختصين، إذ قالت امرأةٌ أنها توقفتْ عن تلقي العلاج النفسي تحت ضغط زوجها الذي لم يوافق على جلوسها بمفردها مع معالجٍ نفسيٍّ ذكرٍ خلف أبوابٍ مغلقةٍ. كما روى صيدلانيٌّ قصة أمٍّ جاءت سراً إلى الصيدلية ومعها وصفةٌ طبيةٌ لصرف دواءٍ لابنتها التي كانت تعاني اكتئاباً حاداً، وعندما علم زوجها بالأمر، أجبر ابنتهما على التوقف فوراً عن تلقي العلاج.

غير أن العين لا تخطئ الانفتاح المتزايد على مناقشة الاضطرابات النفسية والاعتراف بضرورة معالجتها، وذلك يعكس مزيجاً من التحولات العالمية والتغيرات الخاصة بالمجتمع السوري، فعلى الصعيد العالمي، تزامنت الحرب السورية مع مرحلةٍ شهدت انفتاحاً متزايداً في النقاشات المتعلقة بالصحة النفسية. وقد حدث ذلك بالتوازي مع انكشاف المجتمع السوري على العالم الخارجي بدرجةٍ أكبر من أي وقتٍ مضى، سواءً من خلال وسائل التواصل الاجتماعي أو هجرة ملايين السوريين؛ فقد فرّ كثيرون إلى بلدانٍ فيها الحديث عن الصحة النفسية أكثر شيوعاً وتقبّلاً مما هو عليه الحال في وطنهم. وقد عاد بعضهم الآن إلى سوريا حاملين معهم رؤىً وتجاربَ مختلفةً وأكثر حداثةً؛ وفي ذلك قال موظفٌ دوليٌّ يعمل لدى منظمةٍ طبيةٍ غير حكوميةٍ: "إن معظم المرضى الذين يأتون إلى عيادتنا طلباً للدعم النفسي هم من العائدين إلى البلاد، وقد وُصف لكثيرٍ منهم علاجٌ دوائيٌّ خارج سوريا، ثم عادوا وهم يرغبون في متابعة تلقي العلاج."

أما داخل سوريا، فقد فرضت الصحة النفسية نفسها بوصفها قضيةً ملحّةً: أولاً من خلال العدد الهائل لحالات الصدمات النفسية جراء الحرب، ثم من خلال المعاناة الناجمة عن الانهيار الاقتصادي. وحتى قبل سقوط النظام، كان الاهتمام بهذا الموضوع يتزايد أكثر فأكثر، ففي عام 2019 قال طبيبٌ نفسيٌّ في دمشق: "لقد تراجعتِ الوصمة الاجتماعية تراجعاً واضحاً لأن الاحتياجات أصبحت جليةً إلى حدٍّ لا يمكن تجاهله، إذ يقصدني أشخاصٌ من مختلف الخلفيات الاجتماعية، وقد قاوم بعضهم في البداية فكرة طلب المساعدة، لكنهم أدركوا في نهاية المطاف ضرورة الحصول عليها." وقد تسارع الانحسار التدريجي للوصمة الاجتماعية بفعل الانفتاح المفاجئ للمجال العام في سوريا. وفي ذلك قال عاملٌ في منظمةٍ غير حكوميةٍ يقدم خدمات الإرشاد النفسي للرجال: "منذ سقوط النظام أصبح بإمكان الناس فجأةً التعبير عما يجول بداخلهم؛ وهذا أمرٌ جيدٌ، لكنه يعني أيضاً أن أموراً كانت مستورةً ومكتومةً بدأت تظهر كلها دفعةً واحدةً."

كما أسهمت الحرب نفسها في زيادةٍ كبيرةٍ في التمويل الإنساني المخصص لبرامج الصحة النفسية، إذ ازداد عدد المنظمات غير الحكومية السورية وتعاظم احترافها، بما في ذلك المؤسسات الطبية المتخصصة في الصحة النفسية، إلى جانب عددٍ لا يُحصى من المنظمات الأخرى التي تقدم أشكالاً أساسيةً من "الدعم النفسي والاجتماعي." وقد أُسس كثيرٌ من هذه المنظمات في المناطق السورية التي كانت خاضعةً لسيطرة المعارضة، وفي الدول المستضيفة للاجئين مثل ألمانيا وتركيا، حيث استفادتْ تلك المنظمات من تدفق التمويل المنتظم وحرية العمل والتدريب الحديث. أما الجهات المقدمة للخدمات في المناطق التي كانت خاضعةً لسيطرة النظام، فقد واجهتْ قيوداً أشد، لكنها واصلت التطور رغم ذلك. ومن بين التدخلات التي ساعدت في هذا المجال برنامج منظمة الصحة العالمية المعروف باسم "برنامج رأب الفجوة في الصحة النفسية،" الذي هدف إلى تدريب الأطباء العامّين على المبادئ الأساسية للصحة النفسية.

ولا عجب أن المختصين السوريين راحوا ينتقدون تلك المبادراتِ بسبب ما شابها من أوجه القصور المألوفة في برامج المساعدات الممولة من الجهات المانحة، فقد أدى تركيز القطاع على المؤشرات الكمّية إلى دفع المنظمات نحو زيادة عدد مقدمي الخدمات الذين يتلقون التدريب، وعدد "المستفيدين" الذين يتلقون العلاج، أحياناً على حساب المتابعة الكافية والمنتظمة. وفي ذلك قال طبيبٌ نفسيٌّ في دمشق: "إن التدريب ضمن برنامج رأب الفجوة في الصحة النفسية وثيق الصلة بالاحتياجات، لكن في معظم الأحيان لا توجد متابعةٌ للتحقق من كيفية تطبيقه، وتشارك فيه كثيرٌ من المنظمات غير الحكومية؛ لا لشيءٍ سوى القول إنها تلقت ذلك التدريب." وأشار طبيبٌ نفسيٌّ آخر إلى أن الاعتماد على الجهات المانحة يهدد استمرارية البرامج، وهي استمراريةٌ لا بد منها على المدى الطويل في هذا السياق، وقال: "إذا موّلَنا المانحون، عملنا، وإذا لم يفعلوا، توقفنا."

وعلى الرغم من هذه المشكلات، كانت الطفرة في برامج المساعدات أحد العوامل التي ساعدت في نشر منطق الصحة النفسية ومصطلحاتها داخل سوريا. واليوم يمكن رؤية هذا التحول لدى الحكومة الانتقالية التي تضم عدداً كبيراً من السوريين الذين برزوا من خلال عملهم في قطاع المنظمات غير الحكومية، وأحد أبرز الأمثلة على ذلك التحول هي الجهود الواضحة التي يبذلها وزير الصحة السوري الحالي - وهو جرّاح أعصابٍ تلقى تدريبه في ألمانيا وشارك لسنوات في الاستجابة الإنسانية خلال الحرب - لإيلاء الاهتمام بالصحة النفسية وجعلها إحدى أولويات الحكومة. ومن الإنصاف القول إن المتشككين يتساءلون عمّا إذا كان هذا الإدراك لأهمية الصحة النفسية يعكس استراتيجيةً جادةً، أم أنه مجرد محاولةٍ لنيل التمويل من الجهات المانحة. وأيًا تكن الإجابة، فإن ما لا يمكن إنكاره هو أن موضوع الصحة النفسية بات اليوم حاضراً في صدارة النقاش العام، من المقاهي والمراكز المجتمعية إلى وسائل الإعلام الرسمية السورية.

اضطراب القطاع

إن هذا الانفتاح في تناول موضوع الصحة النفسية يساعد في تفسير السلاسة التي يتحدث بها عامة السوريين اليوم، لا عن معاناتهم النفسية وحسب، بل أيضاً عن الحالة المزرية لقطاعٍ يكافح لتلبية احتياجات الجميع، بدءاً من المصابين باضطراباتٍ نفسيةٍ حادةٍ وصولاً إلى من يعانون حالاتٍ أقل شدةً. والواقع أن كثيراً من السوريين يمتنعون عن طلب المساعدة المتخصصة، لا لجهلهم بأهميتها، بل لأنهم يدركون تماماً أوجه القصور في هذا القطاع، ويشتكي كثيرٌ منهم، على سبيل المثال، من أنهم اتخذوا قراراً صعباً باللجوء إلى طبيبٍ نفسيٍّ، لكنهم لم يجدوا في المقابل سوى مختصٍّ يمنحهم خمس دقائق من وقته، ثم يصف لهم دواءً ويتقاضى أجراً باهظاً. وقد عبّرت امرأةٌ مسنّةٌ في دمشق عن رأيٍ شائعٍ بقولها: "لا يريد الأطباء النفسيون التحدث إليك، بل تراهم يصغون إليك قليلاً، ثم يكتبون لك وصفةً طبيةً."

إن ذلك الشعور بالإحباط يعكس انتقاداتٍ عالميةً للطب النفسي الغربي الذي يميل إلى التركيز على الحلول الفردية والدوائية لمشكلاتٍ غالباً ما تكون معقدةً وذات أبعادٍ جماعيةٍ؛ غير أن الحالة السورية تمثل نموذجاً صارخاً لهذه المشكلة، فهي تعاني من نقصٍ حادٍّ في الأطباء النفسيين المرخّصين، إذ تشير أغلب التقديرات إلى أن عددهم لا يتجاوز مئة طبيبٍ في عموم سوريا، ما يعني أن معظم السوريين لن تتاح لهم فرصة مقابلة طبيبٍ نفسيٍّ حتى لو أرادوا ذلك. أما الأطباء الموجودون، فيتركز معظمهم في العاصمة، وتعاني مكاتبهم باستمرارٍ من ضغطٍ هائلٍ في المواعيد، وفي ذلك قالت معالجةٌ نفسيةٌ في حلب: "إن مكاتب الأطباء النفسيين مكتظةٌ إلى درجة تجعلهم عاجزين عن تخصيص أكثر من خمس دقائق للمريض الواحد، ولا توجد متابعةٌ لمعرفة مفعول الأدوية، كما أن كثيراً من الأطباء النفسيين لا يؤمنون أصلاً بأهمية العلاج النفسي، ويُبقون المريض على الأدوية حتى آخر يومٍ في حياته."

ولا يقتصر إهمال العلاج النفسي، أي مجموعة التدخلات المتنوعة التي يمكن أن تُكمّل العلاج الدوائي أو تحلّ محلّه، على الأفراد من مقدمي الخدمات، بل يمثل سمةً بنيويةً في قطاع الصحة النفسية في سوريا، قطاعٍ لا يزال يستند إلى إطارٍ قانونيٍّ متقادمٍ لا يعترف بالعلاج النفسي بوصفه مهنةً مستقلةً؛ غير أن سوريا لديها معالجون نفسيون ظهروا استجابةً للطلب على خدماتهم، لكنهم يعملون خارج الإطار القانوني ومن دون رقابةٍ رسميةٍ، ما يشكّل صورةً من صور السوق السوداء للرعاية النفسية، وإن أول من يقرّ بالمشكلات التي تحيط بهذا الوضع هم مقدمو هذه الخدمات أنفسهم. أضافت المعالجة النفسية في حلب قائلةً: "يمكن لأي شخصٍ ممارسة هذا العمل دون أي تنظيمٍ أو رقابةٍ." وتعمل تلك المعالجة تحت إشراف منظمةٍ غير حكوميةٍ محليةٍ، فيما يعمل آخرون من منازلهم أو في عيادات أطباء نفسيين يحصلون على نسبةٍ من دخلهم.

وفي سوريا، كما في غيرها من البلدان، يمتد هذا السوق إلى العالم الرقمي، عالمٍ تسوده فوضىً أكبر حتى من تلك الموجودة في الواقع المادي، إذ يلجأ بعض الناس إلى روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي لطرح أسئلتهم، رغم أن هذا الأمر يظل محدوداً بسبب ضعف الإنترنت والقيود المرتبطة بالعقوبات التي ظلتْ حتى وقتٍ قريبٍ تَحول دون الوصول إلى نماذجَ مثل تشات جي بي تي. وكثيراً ما يلجأ هؤلاء الناس إلى متابعة المؤثرين في مجال الصحة النفسية والعافية على إنستغرام ويوتيوب. وقد أعربتْ معالجةٌ نفسيةٌ في دمشق، تعمل من مكتب طبيبٍ نفسيٍّ، عن استيائها من ذلك قائلةً: "لقد ازداد في الآونة الأخيرة عدد مَن يتلقون النصائح من وسائل التواصل الاجتماعي. ربما لا يأتي سوى 20 بالمئة من هذه النصائح من مختصين، أما الباقي فلا، وفي هذه الأيام يظن الجميع أنهم قادرون على تقديم المشورة بشأن المشكلات النفسية، وراح من هب ودب يخوض فيها، كأنْ تسمع أحدهم يتحدث عن اضطراب الشخصية النرجسية مثلاً." ويلجأ سوريون آخرون، مستخدمين أسماء مستعارةً، إلى مجموعات فيسبوك لطلب المشورة، حيث يتلقون مزيجاً من النصائح البنّاءة والتنمر والتفسيرات النفسية السطحية؛ ففي رده على سؤالٍ بشأن علاقةٍ عاطفيةٍ صعبةٍ تجمع طرفين تفصل بينهما مسافةٌ جغرافيةٌ طويلةٌ، قيل لأحد مستخدمي فيسبوك بأنه "يعاني تعلقاً مَرَضياً"، وتارةً أخرى بأنه "نرجسيٌّ."

تضرب هذه الفوضى جميع مناحي الصحة النفسية في سوريا تقريباً، فالمناهج الجامعية المخصصة للأطباء النفسيين والأخصائيين الاجتماعيين متقادمةٌ، كما استنزفتْ هجرة الكفاءات الكادرَ التدريسي، وأما الأدوية النفسية فتُصنَّع محلياً، لكنها غالباً ما تعتمد على مكوناتٍ منخفضة الجودة، ما يضعف فعاليتها. توظف المستشفيات العامة أخصائيين اجتماعيين، لكنها تعاني نقصاً في التجهيزات والموارد، شأنها شأن القطاع الصحي عموماً. وفي إحدى الحالات التي توضح حجم المشكلة، وصف عاملٌ في منظمةٍ غير حكوميةٍ تجربةً مقلقةً شاهد فيها أخصائياً اجتماعياً يجلس غيرَ مكترثٍ، فيما كانت أمٌّ ولدتْ حديثاً تبكي بحرقةٍ على مصير طفلها الخديج. وبالمثل تضم المدارس الحكومية مرشدين نفسيين، لكنها تفتقر إلى آليات إحالةٍ موثوقةٍ تتيح لهم أداء دورهم بفعالية؛ وفي ذلك قال مسؤولٌ إداريٌّ في مدرسةٍ بدمشق، متحسراً: "غالباً ما ينزعج الطلاب عندما أحاول إحالتهم إلى المرشد النفسي، ويقولون لي: "لستُ مجنوناً! وأحيانا يأتي أولياء أمورهم إلى المدرسة وهم في غاية الغضب."

بيْد أن أكثر أركان هذا القطاع تهالكاً هي تلك المخصصة لمن هم في أمسّ الحاجة إلى المساعدة، ففيما يخص المرضى الذين يعانون حالاتٍ منهكةً تستلزم رعايةً مكثفةً في المستشفى، لا يوجد في سوريا سوى ثلاثة مستشفياتٍ حكوميةٍ للأمراض النفسية، وجميعها تعاني نقصاً حاداً في الموارد، ولا يقع سوى مستشفىً واحدٍ منها داخل مركزٍ حضريٍّ، وهو مستشفى ابن رشد في العاصمة، وأما المستشفيان الآخران فيقعان في ريفي دمشق وحلب، ما يضع عوائق أمام الأسر الفقيرة التي لا طاقة لها بتغطية تكاليف النقل. وقد علّق طبيبٌ نفسيٌّ في دمشق على ذلك قائلاً: "يُوضَع المرضى النفسيون في الريف، بعيداً عن الأنظار."

وكما كان الحال طوال سنوات الحرب، تؤدي برامج المساعدات الممولة من الخارج دوراً حيوياً في سد الثغرات في الوقت الراهن، لكنها تسهم أيضاً في زيادة الارتباك؛ وذلك أن المانحين يمولون مجموعةً متفرقةً من المشاريع قصيرة الأجل وضعيفة التنسيق فيما بينها. لقد أدى سقوط بشار الأسد إلى تسابق المنظمات غير الحكومية السورية والدولية على التسجيل رسمياً في دمشق، وهو تطورٌ إيجابيٌّ بلا شكٍّ، لكنه أدى أيضاً إلى اشتداد المنافسة، ولا سيما بين الجهات الوافدة حديثاً وتلك التي بقيت تعمل في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام طوال سنوات الحرب. وفي ذلك قالت معالجةٌ نفسيةٌ ومستشارةٌ في قطاع المساعدات بدمشق: "إن الناس الذين قدِموا من إدلب تلقوا تدريباً جيداً على أيدي منظماتٍ غير حكوميةٍ مرموقةٍ، لكنهم لا يبدون أي انفتاحٍ على تبادل الخبرات مع أمثالنا ممن بقينا هنا طوال الوقت. إنهم يعتبروننا جاهلين، أو فلولاً، أو خونةً يساعدون خونةً آخرين."

وقد أدت عملية انتقال السلطة الفوضوية تلك، بالتزامن مع الخفض الكبير في التمويل الأمريكي للمساعدات، إلى توسع الخدمات في بعض المناطق وانهيارها في مناطق أخرى. أشار عاملٌ في منظمةٍ غير حكوميةٍ بدمشق إلى أن منظمته كانت تدير 16 عيادةً تقدم دعماً نفسياً مجانياً قبل كانون الأول / ديسمبر 2024، لكن عدد العيادات التي ظلت مفتوحةً لم يتجاوز ثلاثاً بعد عامٍ ونصفٍ، أي في أيار / مايو 2026. تُعد محافظتا طرطوس واللاذقية الساحليتان من بين أكثر المناطق تضرراً من خفض التمويل، فقد تعرضت بنيتهما المدنية لاستنزافٍ شديدٍ عندما اجتاحت المنطقةَ موجاتٌ من أعمال العنف ذات الطابع الطائفي في آذار / مارس 2025، وقد لخّص أحد المعالجين والمدربين في دمشق الوضع قائلاً: "يكاد الساحل يخلو تماماً من خدمات الصحة النفسية."

العلاج

إن أزمةً بهذا الحجم تستدعي توفير أشكالٍ من الدعم راحت تتبلور بالفعل، وإن كان ذلك على نطاقٍ محدودٍ. فقد خضع الممرضون في مستشفى ابن خلدون للأمراض النفسية في حلب لدورةٍ مكثفةٍ لإعادة التدريب، وشاركت منظماتٌ محليةٌ غير حكوميةٍ في سلسلةٍ من الورش حول الرعاية النفسية المجتمعية، كما أعلنت الحكومة عن إنشاء مجموعةٍ جديدةٍ من مراكز علاج الإدمان، على سبيل المثال لا الحصر. وتمثل كل واحدةٍ من هذه المبادرات خطوةً جزئيةً في الاتجاه الصحيح، غير أن الخطر يكمن في أن تكون هذه الطفرة في النشاط عابرةً، فلا تقدم سوى انفراجاتٍ محدودةً ومتفرقةً، دون إحراز أي تقدمٍ مستدامٍ ومنهجي.

ما الذي ينبغي أن تتضمنه المقاربة كي تكون متكاملةً؟ ثمة مجموعةٌ من الإجابات الواضحة التي راح الخبراء السوريون والأجانب على حدٍ سواءٍ يعبرون عنها بوضوحٍ. إن سوريا بحاجةٍ إلى تطويرٍ شاملٍ لبنيتها التحتية العامة للصحة النفسية، بدءاً من أطرها القانونية المتقادمة وصولاً إلى كوادرها من الأطباء النفسيين والأخصائيين الاجتماعيين، وهي كوادرٌ بأمس الحاجة للتطوير، وذلك يتطلب دعماً دولياً يستحقه هذا القطاع، على أن يُقدَّم هذا الدعم بطرق تعزز المؤسسات المحلية بدلاً من أن تحل محلها.

هذه التوصيات وجيهةٌ، لكنها تقليديةٌ للغاية، فقد كُتبت توصياتٌ مماثلة بشأن بلدانٍ كثيرةٍ أخرى، معظمها أقل تضرراً من سوريا. غير أن النتائج غالباً ما تكون مخيبةً للآمال، لأسبابٍ مألوفةٍ هي الأخرى. فإصلاح منظومة الصحة العامة عمليةٌ بطيئةٌ ومكلفةٌ، ونادراً ما تحتل صدارة الأولويات في الاقتصادات التي تعاني شحّ الموارد المالية. كما يتصف قطاع المساعدات والتنمية بالتشتت وقصر النظر، ما يجعله غير ملائمٍ للمجالات التي تتطلب دعماً مستمراً ومنسقاً لأنظمة معقدة. ولا يعني هذا القصور التخلي عن السعي إلى تعزيز المؤسسات العامة الحيوية، لكنه يعني ضرورة الاعتراف بحدود هذا النموذج واستكشاف سبل استكماله بمقارباتٍ أخرى.

والسوريون يفعلون ذلك مسبقاً، سواء أدركوا ذلك أم لم يدركوه. ففي مختلف أنحاء البلاد، تراهم يبحثون عن سبلٍ لإعادة بناء أشكال الترابط المجتمعي التي يحتاجونها كي يتعافوا. والواقع أن كثيرين، رغم المعاناة الهائلة التي مروا بها، يذكرون الشعور بالوحدة بوصفه إحدى أكبر الصعوبات التي يواجهونها يومياً، فقد حطمت الحرب البنى الأسرية، وأثارت العداء بين الأصدقاء والجيران. وبدلاً من أن توفر المرحلة الانتقالية فرصةً لطيّ صفحة الماضي، شهدت البلاد جولاتٍ جديدةً من العنف والخطاب العدائي، أدت أحياناً إلى إنهاء صداقاتٍ صمدت طوال سنوات الصراع. كما أن انتشار الفقر، إلى جانب ارتفاع أسعار الوقود، يحدّ من قدرة الناس على تحمّل تكاليف التنقل بالسيارات أو الحافلات لزيارة الأصدقاء والأقارب، أو دعوتهم إلى تناول وجبة طعام. ولذا ترى السوريين ممن عانوا صدمات نفسيةٍ معقدةً يبحثون غالباً، وقبل أي شيء آخر، عن أشكالٍ بسيطةٍ من التواصل الإنساني، بل إن بعضهم ينفر من خدمات الرعاية النفسية الرسمية لأنها تبدو لهم فرديةً وانعزاليةً.

لن تتمكن المؤسسات الحكومية أو المنظمات غير الحكومية وحدها من حل هذا الجانب من الأزمة السورية، فالتعافي يحدث أيضاً عندما يرمم العائدون مقبرةً في مسقط رأسهم الذي دمرته الحرب، وعندما يجمع قادة المجتمع المحلي التبرعات لإصلاح المدارس، وعندما يحوّل المزارعون حقولهم إلى مساحاتٍ لتبادل البذور المحلية المتوارثة والمعارف التقنية. ولا ريب أن السياسات السليمة وبرامج المساعدات المدروسة يمكنها أن تسهم في بناء الروابط المجتمعية، مثلما يمكن للسياسات والبرامج السيئة أن تقوضها. فالمشروع الذي يساعد السكان المحليين في تأسيس مجموعة دعمٍ تطوعيةٍ قد يترك أثراً عميقاً ومستداماً، مثلما يمكن لعيادة تديرها منظمةٌ غير حكوميةٍ أن تُلحق ضرراً بالغاً عندما تغلق أبوابها فجأةً بانتهاء دورة المشروع. غير أن المجتمعات تفعل الكثير رغم تعطل المؤسسات واختلال أدائها، فكثيرٌ من المبادرات العملية والبسيطة التي تنفذها لا تُقدَّم صراحةً على أنها مبادراتٌ لدعم الصحة النفسية، لكنها توفر المواساة التي يحتاجها الناس كي يخطوا أولى خطواتهم نحو التعافي.


14 تشرين الأول/أكتوبر 2026

بقلم: أليكس سايمون، ولينا غوتوق، وملك الشنواني، وسمر العمري.
ترجمة: حسان حساني.

ممتنون لاستخدام الرسوم: صفوان داحول
Dream 51 (2011)

تم انتاج هذا المقال بدعم من مشروع السلامة الداخلية. إن محتوى المقال يقع على عاتق مسؤولية سينابس وحدها.